ابن كثير

368

البداية والنهاية

الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم ؟ قال : فلم أعد بعدها . وقال الأصمعي عن أبيه : رأيت إياس بن معاوية في بيت ثابت البناني ، وإذا هو أحمر طويل الذراع غليظ الثياب ، يلون عمامته ، وهو قد غلب على الكلام فلا يتكلم معه أحد إلا علاه ، وقد قال له بعضهم : ليس فيك عيب سوى كثرة كلامك ( 1 ) ، فقال : بحق أتكلم أم بباطل ؟ فقيل بل بحق ، فقال : كلما كثر الحق فهو خير ، ولامه بعضهم في لباسه الثياب الغليظة فقال : إنما ألبس ثوبا يخدمني ولا ألبس ثوبا أخدمه ، وقال الأصمعي قال إياس بن معاوية : إن أشرف خصال الرجل صدق اللسان ، ومن عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه . وقال بعضهم : سأل رجل إياسا عن النبيذ فقال : هو حرام ، فقال الرجل : فأخبرني عن الماء فقال : حلال ، قال : فالكسور ، قال : حلال ، قال : فالتمر ؟ قال حلال ، قال : فما باله إذا اجتمع حرم ؟ فقال إياس : أرأيت لو رميتك بهذه الحفنة من التراب أتوجعك ؟ قال : لا ، قال : فهذه الحفنة من التبن ؟ قال لا توجعني ، قال : فهذه الغرفة من الماء ؟ قال لا توجعني شيئا ، قال : أفرأيت إن خلطت هذا بهذا وهذا بهذا حتى صار طينا ثم تركته حتى استحجر ثم رميتك أيوجعك ؟ قال : إي والله وتقتلني ، قال : فكذلك تلك الأشياء إذا اجتمعت . وقال المدائني : بعث عمر بن عبد العزيز عدي بن أرطاة على البصرة نائبا وأمره أن يجمع بين إياس والقاسم بن ربيعة الجوشني ( 2 ) ، فأيهما كان أفقه فليوله القضاء ، فقال إياس وهو يريد أن لا يتولى : أيها الرجل سل فقيهي البصرة ، الحسن وابن سيرين ، وكان إياس لا يأتيهما ، فعرف القاسم أنه إن سألهما أشارا به - يعني بالقاسم - لأنه كان يأتيهما ، فقال القاسم لعدي : والله الذي لا إله إلا هو إن إياسا أفضل مني وأفقه مني ، وأعلم بالقضاء ، فإن كنت صادقا فوله ، وإن كنت كاذبا فما ينبغي أن تولي كاذبا القضاء . فقال إياس : هذا رجل أوقف على شفير جهنم فافتدي منها بيمين كاذبة يستغفر الله ، فقال عدي : أما إذ فطنت إلى هذا فقد وليتك القضاء . فمكث سنة يفصل بين الناس ويصلح بينهم ، وإذا تبين له الحق حكم به ، ثم هرب إلى عمر بن عبد العزيز بدمشق فاستعفاه القضاء ، فولى عدي بعده الحسن البصري . قالوا : لما تولى إياس القضاء بالبصرة فرح به العلماء حتى قال أيوب : لقد رموها بحجرها ، وجاءه الحسن وابن سيرين فسلما عليه ، فبكى إياس وذكر الحديث ( القضاة ثلاثة ، قاضيان في النار وواحد في الجنة ) . فقال الحسن ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ) إلى قوله ( وكلا آتينا حكما علما ) [ الأنبياء : 78 - 79 ] قالوا : ثم جلس للناس في المسجد واجتمع عليه الناس للخصومات ، فما قام حتى فصل سبعين قضية ، حتى يشبه بشريح القاضي . وروى أنه كان إذا أشكل عليه شئ بعث

--> ( 1 ) الخبر في ابن سعد 7 / 234 وفيه : قال إياس : إن من لا يعرف عيبه أحمق ، قالوا : يا أبا واثلة فما عيبك أنت ؟ قال : كثرة الكلام . . . ( 2 ) في وفيات الأعيان 1 / 249 : الحرشي .